
مع إسدال الستار نهائيًا على هجوم العمالقة (Attack on Titan) في عام 2023، أُغلِق فصلٌ استثنائي من أكثر الأعمال تأثيرًا وإثارة للجدل في تاريخ الأنمي والمانغا. ومنذ ذلك الحين، ظل سؤال واحد يتردد بإلحاح بين الجمهور: متى يعود هاجيمي إيساياما بعمل جديد؟
الإجابة جاءت مؤخرًا، وكانت صريحة إلى حد الصدمة.
خلال عرض خاص للفيلم التجميعي الختامي للأنمي، نُقلت رسالة مكتوبة من إيساياما قرأها مقدم الحدث، في غياب المؤلف عن الحضور الشخصي. أوضح فيها أنه لا يعمل حاليًا على أي مانغا جديدة، رغم انشغاله بأمور أخرى، وهو اعترافٌ قصير، لكنه كان كافيًا ليخيّم الصمت على القاعة.
لماذا لا يعود إيساياما؟

الجزء الأكثر حساسية في الرسالة تمثل في سبب هذا التوقف. إذ قال إيساياما إنه كلما حاول كتابة فكرة جديدة، شعر بأنها مجرد إعادة صياغة أو صدى لأفكار سبق أن استنزفها بالكامل في هجوم العمالقة. وبكلمات مقلقة ومباشرة، عبّر عن إحساسه بأنه أفرغ كل ما بداخله في ذلك العمل، ولم يعد يملك ما يضيفه ضمن الإطار ذاته.
هذا النوع من الاعتراف نادر من مؤلف بهذا الثقل. فبالنسبة لإيساياما، لم تكن هجوم العمالقة مجرد وظيفة، بل مشروع العمر. بدأ التفكير فيها في سن التاسعة عشرة، واستمر في تطويرها لأكثر من اثني عشر عامًا. المانغا صدرت بين 2009 و2021، فيما تحولت نسخة الأنمي إلى ظاهرة عالمية تخطّت حدود اليابان ووصلت إلى جمهور واسع في مختلف الثقافات. عند النهاية، كان عمر إيساياما 35 عامًا فقط.
استنزاف إبداعي لا يُرى

إنتاج عمل بهذا الحجم لا يقتصر على الرسم أو الكتابة. نحن نتحدث عن بناء عالم متكامل، شخصيات متشابكة، منظومة سياسية واجتماعية قابلة للتصديق، وسرد طويل النفس يمتد مئات الفصول. وحتى مع نظام النشر الشهري، يظل الضغط الذهني والنفسي هائلًا.
إيساياما سبق أن تحدث مازحًا في لقاءات قديمة عن حلمه بحياة “NEET” وهو مصطلح ياباني لمن لا يعمل ولا يدرس، مكتفيًا بالحد الأدنى من المتطلبات. ومع تجاوز مبيعات العمل 140 مليون نسخة حول العالم، يصعب المجادلة في كونه لم يستحق هذا التوقف.
لكن رسالته الأخيرة أوضحت أن المسألة أعمق من المال أو النجاح، فقد لمح إلى أن هجوم العمالقة هو العمل الوحيد الذي شعر فيه بأنه عبّر عن كل ما في داخله وحقق رضا شخصيًا كاملًا، وهو إنجاز لا يصل إليه كثير من الفنانين طوال مسيرتهم.
تباين ردود فعل الجمهور

ردود الفعل جاءت متباينة. فهناك من يرى أن إيساياما يستحق راحة دائمة بعد هذا الإنجاز التاريخي، بينما لا يزال آخرون يأملون عودته يومًا ما، حتى لو كان ذلك عبر عمل مختلف تمامًا في النبرة، كقصة مدرسية أو عمل قصية مبنية على شريحة من الحياة. وربما يكون الابتعاد عن الأجواء القاتمة والعنيفة هو السبيل الوحيد لاستعادة شرارة الإبداع.
وفي السياق ذاته، طمأن يوكي كاجي، المؤدي الصوتي الياباني لشخصية إيرين ييغر، الجمهور خلال الحدث نفسه، مؤكدًا أنه التقى إيساياما على انفراد العام الماضي ووجده بحالة جيدة نفسيًا. رغم أن هذا التصريح يعتبر تفصيل صغير، لكنه مهم بالنظر إلى الثقل النفسي المصاحب لإنهاء عمل بهذا الصدى العالمي.
قراءة تحليلية
اعتراف إيساياما لا يُفهم كفشل أو انسحاب، بل كذروة لمسار إبداعي نادر. فالقليل من المؤلفين يملكون الشجاعة للاعتراف بأنهم قالوا كل ما لديهم في عمل واحد. لكن في صناعة تميل إلى الاستنزاف والتكرار والمنافسة، قد يكون هذا الموقف بحد ذاته دليل وعي إبداعي يحسب له لا عليه.
لكن سواء عاد المخضرم إيساياما بمشروع جديد أم اختار التوقف والاعتزال، يبقى هجوم العمالقة واحدة من أهم أعمال الأنمي والمانغا في العصر الحديث. وربما، في ميزان التاريخ، يكون هذا كافيًا وأكثر.
المصدر: رسالة إيساياما خلال العرض الخاص للفيلم التجميعي الختامي لـ Attack on Titan









