لماذا فشلت الشركات في تطوير لعبة الزومبي الحقيقية.. وأين اختفت تجربة البقاء المثالية؟
هل أصبحت ألعاب الزومبي مجرد "أكشن" مغلف بالرعب؟

رغم مرور أكثر من عقدين على ازدهار ألعاب الزومبي، يتصاعد مؤخرًا شعور لافت داخل مجتمع اللاعبين: لا توجد لعبة واحدة فعليًا قدمت وجسدت تجربة وشعور البقاء تخيلها اللاعبون بكل أركانها. لعبة يشعر اللاعب أنه يعيشها فعلًا. منشور حديث متداول في مجتمع r/gaming أعاد فتح هذا الجدل، كاشفًا عن فجوة كبيرة واضحة بين ما يريده الجمهور، وما تقدمه الصناعة.
بعيدًا عن ألعاب مثل Resident Evil وغيرها من الألعاب القصصية القصيرة نسبيًا، لا تمكن المشكلة كما يراها كثيرون في غياب ألعاب الزومبي التي تصدر باستمرار كل عدة أشهر، لا بالطبع، بل في غياب لعبة واحدة متكاملة تحتوي على جميع العناصر المتكاملة من “رعب بأنواعه – بقاء حقيقي – عالم مفتوح عميق متفاعل” عناصر تجعلها “تحفة الزومبي” التي نترقبها جميعًا
الحلم المفقود: عالم مفتوح نلعبه ولا “نعيشه”

الطموح المطروح لا يتمحور حول الرسوم أو الحجم فقط، فكل ما في الأمر حول فلسفة تصميم مختلفة، من عالم مفتوح ضخم، تفاعلي وقاسٍ، يجبر اللاعب على التفكير كباقٍ لا كمقاتل. بل مكان تُصبح فيه الزراعة، وإدارة الموارد وبناء الملجأ، والتخطيط للدفاع والتحالفات وقرارات مصيرية بعيدًا عن النمطية والأنظمة الجانبية. تجربة تُجبرك على:
- بناء ملجأ حقيقي لا قاعدة شكلية
- البحث عن الطعام أو زراعته بدل الاعتماد على الغنائم الجاهزة
- التفكير في الدفاعات، والهروب، وإدارة الموارد
- تخصيص المركبات والأسلحة المصنوعة يدويًا
- التعامل مع القطيع كخطر بيئي دائم، وليس مجرد أعداء متناثرين
ببساطة يمكن أن أشبهها بتجربة أقرب إلى The Walking Dead كنمط حياة، لا كحملة قصصية منتهية، أو لعبة بحجم Project Zomboid من حيث العمق، لكن بمنظور أول أو ثالث ورسوم واقعية، وعالم تفاعلي حي، وهذا النوع من التجارب، الأقرب إلى روح The Walking Dead، لأنه لا يُقاس فقط بمجرد عدد المهام أو الأعداء، وبمدى شعور اللاعب بأن التجربة ستستمر بدونه، وأن كل قرار له عواقب طويلة الأمد.
لماذا لم تكتمل التجربة رغم المحاولات؟

المفارقة أن معظم ألعاب الزومبي المعروفة تقترب من هذا الحلم، لكنها لا تصل إليه. فلعبة Project Zomboid مثلًا تقدّم أعمق أنظمة بقاء، لكنه يبقى محصورًا بزاوية عرض تُبعد شريحة واسعة من اللاعبين. لعبة State of Decay 2 تبرع بشكل مذهل في إدارة المجتمع، لكنها تقيّد التجربة بعالم محدود التفاعل وسلوكيات مكررة.
ولعبة DayZ تنجح في جلب شهور التوتر النفسي من زاوية واقعية، مقابل فراغ محتوى يقتل الاستمرارية وصعوبة غير متوازنة، وكلها ويجعل اللاعب يمل منها بسرعة، بينما تذهب Dying Light نحو الحركة والسرعة على حساب روح البقاء الحقيقية الغائبة. وكل تجربة تحمل قطعة من الصورة، لكن الصورة الكاملة لا تكتمل أبدًا.
State of Decay 3: فرصة أم إعادة تدوير؟

مع إعلان State of Decay 3، عاد الأمل جزئيًا إلى السطح. العنوان الجديد يُفترض أن يكون قفزة نوعية للسلسلة، خاصة مع انتقال التطوير إلى محرك أحدث ووعود بتجسيد تجربة أكثر قسوة وواقعية. لكن حتى الآن، ما عُرض لا يتجاوز الإطار المفاهيمي، دون تفاصيل واضحة حول عمق أنظمة البقاء أو مدى تطور التفاعل مع بيئتها.
السؤال الجوهري هنا، فهل ستغامر شركة Microsoft بتحويل اللعبة إلى محاكاة بقاء حقيقية، أم سنحصل فقط على نسخة مصقولة من المفهوم ذاته، مقابل أن تكون أكثر جمالًا وأقل جرأة؟
ILL: رعب بصري أم تجربة بقاء “منفوخة”؟

أما لعبة الرعب ILL، فهي تمثل حالة مختلفة تمامًا. المشروع يلفت الأنظار بجانب بصري من رسومات وفيزياء واقعية وصادمة لفتت الانتباه بشكل كبير، وتصميم كائنات يقترب من الرعب الجسدي أكثر من الزومبي التقليدي. لكن حتى الآن، لا توجد مؤشرات واضحة على أنها تسعى لتقديم لعبة شاسعة بنمط البقاء أو أنظمة طويلة المدى، رغم كل الدعم الذي تلقاه مطورها، إلا أن جانب غامض منها يجعلنا غير مرتاحين بشأنها.
مشروع لعبة ILL تبدو أقرب إلى تجربة رعب مركّزة للغاية، وليست تلك اللعبة التي نعيش داخلها لشهور. وهو ما يجعلها مثيرة فنيًا، لكنها خارج الحلم الذي يتحدث عنه اللاعبين في هذا الجدل تحديدًا.
إذًا أين تكمن المشكلة فعلًا؟ التقنية أم الجرأة؟

لا يمكننا إلقاء اللوم على عامل واحد؛ فالمشكلة متشعبة. يرى فريق أن العائق تكنولوجي بحت، بينما يعتقد آخرون أن الاستوديوهات الكبرى تفتقر للجرأة في المجازفة، في حين يذهب فريق ثالث إلى أن اللاعبين أصيبوا بـ “تخمة” من تكرار الأفكار، مما رفع سقف توقعاتهم إلى حدٍ يصعب إرضاؤه. لكن لو سلمنا فعلًا لجميع الآراء عدا شعور “التخمة” الذي أراه أكثر وأقرب الى الواقع، فإن مشروع بهذا الحجم يتطلب:
- ميزانية ضخمة
- سنوات تطوير طويلة
- موارد بشرية موهوبة لديها الخبرة والشغف
- أنظمة محاكاة معقدة (AI، اقتصاد موارد، عالم ديناميكي)
- مخاطرة تجارية حقيقية في سوق يفضل الألعاب الآمنة
والنتيجة؟ الاستوديوهات المستقلة تملك الشغف دون الموارد، وامكانات تجعلها توسع من عالمها، ولا تمتلك فسحة الوقت لضعف الموارد أو الدعم المالي، والشركات الكبرى تملك الموارد دون الجرأة.
هل يمكن أن يتغير ذلك قريبًا؟

اللافت أن هذا الجدل يتزامن مع تغيرات واضحة في الصناعة، وعلى عدة أصعدة، منها تطور محركات الألعاب، تحسّن أنظمة الذكاء الاصطناعي التي قد تقصر من الوقت وتولد الأفكار، وعودة اهتمام الجمهور بالتجارب العميقة بعد سنوات من تشبّع ألعاب الخدمات، وهي عوامل قد تجعل فكرة “لعبة الزومبي الحلم” أقل خيالية مما كانت عليه قبل سنوات، وقد تذيب شعور “التخمة” الذي تطرقنا إليه.
ولا ننسى أننا شهدنا كيف نجحت بعض الألعاب في التقاط إحساس البقاء وسط بيئة منهارة حتى وإن لم تملك المقومات الإنتاجية الكاملة. لعبة Dead Ahead: Zombie Warfare من تطوير Mobirate، ورغم بساطتها التقنية وطابعها ثنائي الأبعاد، استطاعت نقل ضغط الندرة، واستنزاف الموارد، والخطر المستمر وشعور البقاء بشكل رائع.
وفي المقابل، جاءت Days Gone من سوني في توقيت تسويقي صعب، لكنها قدمت بيئة مفتوحة يفرض احترام الحشود، والتخطيط والعزلة والموارد الشحيحة، ليترك أثرًا عاطفيًا أعمق مما توقعه كثيرون. هاتان التجربتان أثبتتا أن الشعور لا يرتبط دائمًا بالحجم أو الميزانية إذا تزامنت مع صدق الرؤية.
الخلاصة: الحلم مؤجل… وليس ميتًا
ألعاب الزومبي لم تفشل بالكامل، لكنها توقفت عند منتصف الطريق. كل ما في الأمر أن اللاعبون لا يطالبون بالمزيد من الموتى والفيروسات والمطاردات، بل بالمزيد من الحياة تدب داخل هذا الخراب. وحتى يقرر استوديو كبير كسر القالب السائد.
رسالة الى مطورينا العرب: قد يكون سوق ألعاب الفيديو تنافسي ومتشبع للغاية بألعاب إطلاق النار والمغامرات وحتى ألعاب البلاتفورم من مطورين غربيين موهوبين ولديهم الخبرة والإمكانات اللازمة، ولكن لا ضير في محاولة تطوير لعبة زومبي بأقصى قدر من الإمكانات المتاحة، واستغلال حالة الفراغ وشغف اللاعبين حول العالم.









