مقالات
مميز

إغلاق Bluepoint هل أصبحت سوني مقبرة الإبداع؟ ومن سيحمي إرث بلايستيشن؟+

تتوزع الأدوار في صناعة الألعاب بين مطورين للمحركات ومصممين للعوالم، بينما كان Bluepoint Games يمثل ما يمكن تشبيهه بالمرجع التقني في بلايستيشن، وهو الاستوديو الذي صقل مهاراته في ترميم الكلاسيكيات وتقديمها بجودة تليق بتطلعات الجيل الحالي.

لكن يبدو أن في قاموس “سوني” الحديث، لم يعد لهذه المواهب المحبوبة مكان إذا لم يخدم لغة الأرقام الصماء. خبر إغلاق Bluepoint Games نزل علينا كخبر مثل الصاعقة، وليس مجرد خبر عابر عن تسريح موظفين، بل هو إعلان رسمي عن غياب “الضمان التقني” الذي طالما كان شبكة الأمان لهوية بلايستيشن.

عندما يقتل “البيزنس” روح المؤرخ التقني

Demon's Souls Remake
Demon’s Souls Remake

لطالما آمنّا بأن الريميك ليس مجرد عملية تجميل لمنتج قديم، بل هو فعلُ وفاءٍ لتاريخنا كلاعبين. كان “بلوبوينت” بمثابة الجراح البارع الذي يعيد ترميم ذكرياتنا (مثل ريميك Demon’s Souls و Shadow of the Colossus) دون أن يمسّ روحها، واضعاً معايير بصرية جعلت من جهاز PS5 تحفة تقنية منذ يومه الأول، وساهم بتسويقه الى منزل كل لاعب.

نعم بإغلاق هذا الاستوديو، سوني أغلقت بعض المكاتب، لكنها كذلك هدمت ممراتها التاريخية. لقد ضحت بالفريق الذي كان يملأ فجوات الغياب بين الحصريات الكبرى، الفريق الذي كان يضمن لنا أن الجودة التقنية قيمة ثابتة لا يمكن التنازل عنها.

قراءة في خارطة الاستحواذات والتصفيات

إذا نظرنا إلى لغة الأرقام بعيداً عن العواطف، سنجد مشهداً يثير التساؤل حول جدوى الاستراتيجية التوسعية لشركة “سوني” في السنوات الأخيرة. منذ عام 2021، كثفت بلايستيشن عمليات الاستحواذ لتعزيز ترسانتها، ولكن بالنظر إلى قائمة الاستوديوهات التي أغلقتها الشركة (والتي تجاوزت 12 استوديو حتى الآن)، نجد أننا أمام معادلة مقلقة.

جميع الاستديوهات التي أغلقتها سوني منذ عام 2021

إغلاق Bluepoint Games يعني أن سوني استغنت عن واحد من أهم الاستوديوهات التي استحوذت عليها في الحقبة الأخيرة. وبالعملية الحسابية، نجد أن نسبة الاستوديوهات التي تم تصفيتها أو دمجها بدأت تقترب من ثلث إجمالي الاستوديوهات المملوكة تاريخياً للشركة.

هذا المؤشر يعني أن “معدل بقاء” الاستوديو تحت مظلة بلايستيشن أصبح يخضع لمعايير تجارية لا تعترف بالتخصص النوعي، فبدلاً من استثمار مهارات Bluepoint Games الفريدة، جرت محاولة لتغيير مسار الاستوديو نحو نماذج ربحية أخرى، وعندما لم تتماشَ النتائج مع التوجه الجديد، كان القرار هو الإغلاق بدلاً من الحفاظ على هذه الخبرة التقنية النادرة.

نشوة الانتصار الزائفة.. غطرسة بلا منافس

الحقيقة المرة هي أن سوني تعيش اليوم حالة من “نشوة المنتصر”. فمع تحول المنافسين التقليديين إلى ما يشبه “شركاء الخفاء” عبر نشر ألعابهم على منصات بعضهم البعض وتذويب الفوارق “عدا نينتندو” هنا شعرت سوني أنها لم تعد بحاجة لإبهار الجمهور بالتنوع أو المخاطرة بالإبداع المستقل.

هذه الراحة الإدارية التنافسية هي المتهم الأول الذي أدى إلى اتخاذ قرارات مالية بحتة، متجاهلًا أن ما صنع إمبراطورية بلايستيشن هو الابتكار، وليس فقط العناوين الضخمة، وهذا الانكماش في عدد الأذرع المبدعة يشير إلى أن سوني تضيق الخناق على نفسها، حيث تضع كل رهاناتها على عدد محدود جداً من المشاريع، مما يقلل من مرونة المنصة وقدرتها على تقديم تنوع حقيقي في مكتبة حصرياتها.

من سيحمي إرث بلايستيشن؟

أستوديوهات بلايستيشن

الخوف الحقيقي اليوم ليس على الموظفين فحسب، بل أصبح على جودة الألعاب القادمة التي تحتاج إلى لمسة “بلوبوينت”. فمع رحيل هذا الفريق، يرحل معه الأمل في رؤية نسخ عصرية من كلاسيكيات مثل Bloodborne أو غيرها من العناوين التي تتطلب دقة فنية خاصة.

سوني وسنواتها الطويلة كانت تعتبر الحاضنة الأكبر للمبدعين والتقنيين المتميزين. اليوم أصبحت تظهر وكأنها تراهن على الربحية السريعة، لكنها لا تعلم أنها ستخسر في المقابل التنوع الذي جعلها رائدة في هذا المجال، وصمام الأمان الذي كان يضمن خروج الألعاب بأفضل صورة تقنية ممكنة. لقد فقدت الشركة الفريق الذي كان يملأ فترات غياب العناوين الكبرى بإصدارات عالية الجودة، فكيف ستعامل سوني عناوينها الكلاسيكية المحبوبة في المستقبل.

السؤال الذي يؤلمنا أكثر: كيف سنرى شكل الريميكات على منصة الجيل المقبل PS6 بدون استديو التطوير الموهوب Bluepoint؟

ماهر ميسرة

"كاتب ومحرر ألعاب فيديو ومحب للتقنية | أستاذ في التاريخ والجغرافيا مع درجة الماجستير | ليسانس في الصحافة الإلكترونية | ولأنني مُحب لألعاب الفيديو منذ التسعينات، فقد أكسبتني نظرة ثاقبة وفهمًا عميقًا لتطور هذه الصناعة."
زر الذهاب إلى الأعلى