اللعبة الغامضة الثالثة لـ Playdead: من ظلام الغابة إلى برودة الفضاء

حين أطلق استوديو Playdead الدنماركي لعبته الأولى Limbo عام 2010، لم يكن أحد يتوقع أن صبيًا صغيرًا يجري في الظلام سيغير مفهوم الألعاب المستقلة إلى الأبد، ثم جاءت Inside عام 2016 لتثبّت مكانة الاستوديو بوصفه واحدًا من أكثر صنّاع الألعاب إبداعًا وغموضًا في العالم.
واليوم بعد سنوات من الصمت المحسوب والتلميحات المتناثرة، يعمل الفريق على ما بات يُعرف بـ “اللعبة الثالثة“ وهي مشروع طموح يبدو أنه سيأخذ اللاعبين في رحلة لم يختبروا مثلها من قبل.
إعلان بلا اسم

في 20 يناير 2017، كسر Playdead صمته بتغريدة بسيطة تضمنت أول قطعة فن مفاهيمي (Concept Art) للعبته الجديدة، رائد فضاء يمسك بمظلة هبوط، يراقب سفينته وهي تحترق وتخترق الغلاف الجوي لكوكب مجهول مغطى بالثلج.
لم يُعط للعبة اسم ولم تُحدَّد تفاصيل، فقط صورة واحدة وهذا يكفي لإشعال فضول الملايين.

تراكم الأدلة عبر السنين

ما يميز Playdead في تسويق مشاريعه هو أنه لا يُسوّق على الإطلاق بالمعنى التقليدي، وبدلًا من ذلك، يُرسل إشارات خافتة لمن يعرف كيف يُصغي:
- مارس 2018: في مؤتمر GDC، نشر الاستوديو صورة جديدة لرائد الفضاء ذاته وسط بيئة ثلجية شاسعة، مع دعوة لتوظيف مواهب جديدة داخل الاستوديو، الصورة تكشف شيئًا مهمًا: حجم العالم مقارنة بالشخصية يوحي بعزلة مطلقة.

- مارس 2020: رائد الفضاء يظهر مجددًا، هذه المرة بجانب مركبة جوّالة (Rover)، والضباب الكثيف يلف المشهد، الإحساس بالوحدة والاكتشاف يتعمّق.
اقرأ أيضًا.. مبتكري Inside و Limbo يكشفون عن لعبة Somerville، شاهد العرض الأول!

- ديسمبر 2021: في الذكرى الخامسة عشرة لتأسيس Playdead، نشر الاستوديو قطعة فن مفاهيمي جديدة.

مع رسالة ملفتة للإنتباه:
“استغرق Limbo وInside كلٌّ منهما ست سنوات، ولعبتنا الحالية أكثر طموحًا.“
إنها رسالة مُبطّنة واضحة إلى ان موعد الإصدار ليس بقريب.
ما خلف الستار

الأمر الذي يميّز Playdead عن غيره هو التزامه بالبحث الحقيقي في العالم الواقعي:
في فبراير 2020، نشر الاستوديو على إنستغرام صورًا لأعضاء من الفريق يستكشفون أماكن شديدة البرودة يُرجَّح أنها في دائرة القطب الشمالي أو مناطق كندية نائية لاستيعاب حسّي كامل لما يعنيه الوجود في تلك البيئة القاسية: الضوء، الصمت، البرد، والخوف.


وفي مارس 2022، صوّر الفريق أنفاقًا أرضية تشبه ممرات الصيانة الصناعية، في محاولة لاستيعاب شعور الضيق والاتساع المتناقضَين داخل الفضاءات المغلقة.
اقرأ أيضًا.. شاهد بعض الصور للعبة القادمة من مطورين Inside و Limbo..

هذه ليست مجرد جولات سياحية، إنها منهجية بحثية تجعل البيئات في ألعاب Playdead تبدو وكأنها أماكن حقيقية عشت فيها يومًا ما.
ما نعرفه تقنيًا

من خلال قراءة متأنية لإعلانات التوظيف على موقع Playdead، تكشّفت تفاصيل تقنية مهمة:
- المحرك: اللعبة تُبنى على Unreal Engine 5، وهو قرار جريء يُفسّر جزئيًا التأخير الكبير في التطوير، إذ أن إتقان محرك جديد بهذا المستوى يحتاج وقتًا.
- نوع اللعبة: وُصفت بأنها مغامرات ذات منظور ثالث وذات عالم مفتوح، وهو تحوّل جذري عن الألعاب السابقة ذات المسار الخطي.
- البيئة: كوكب ناءٍ في ركن مجهول من الكون يُرسّخ الطابع العلمي الخيالي للمشروع.
شراكة Epic وما تعنيه

في 2020، أعلن Playdead عن شراكة مع Epic Games وهي شراكة لافتة بكل المقاييس، وبموجب الاتفاقية:
- تتحمل Epic ما نسبته 100% من تكاليف التطوير.
- يحتفظ Playdead بالملكية الكاملة والحرية الإبداعية.
- تُقسَّم الأرباح بالتساوي.

بمعنى آخر: Playdead يحصل على تمويل كامل دون أن يتنازل عن روحه الفنية ويجدر الذكر أن هذا النوع من الشراكات نادر في صناعة الألعاب.
لماذا هذه اللعبة مثيرة للاهتمام؟

Limbo و Inside لم تكونا مجرد ألعاب، بل كانتا تجارب وجودية تطرح أسئلة عن الهوية، والسيطرة، والإنسانية، “اللعبة الثالثة“ تبدو وكأنها ستنقل هذه الأسئلة إلى بُعد أشمل، أين مكان الإنسان في كون لا نهاية له؟ ماذا يجد حين يصل إلى مكان لم يطأه أحد؟

الثلج، الصمت، البُعد، والمجهول كلها عناصر تصنع لغة Playdead البصرية والفلسفية المعتادة، لكن هذه المرة على مساحة أكبر من أي وقت مضى.
الانتظار جزء من التجربة

منذ أول تلميح في 2017، مرّت سنوات وما زال العالم ينتظر، لكن من يعرف Playdead يعرف أن الاستوديو لا يُطلق لعبة قبل أن تكون مثالية بمعاييره الخاصة، وربما هذا هو الدرس الأول الذي تعلمناه من: Limbo أحيانًا، الظلام الذي يسبق النور هو أجمل جزء في الرحلة.











